تتمتع فيتنام بشبكة كثيفة من الأنهار والجداول، حيث تنتشر آلاف الأنهار الكبيرة والصغيرة في جميع أنحاء البلاد. ولذلك، تعكس الحياة الثقافية للشعب الفيتنامي في كل مكان صورة القوارب والأنهار والصيادين وقوارب الصيد... وهذا يوفر مادة ثرية للعديد من المصورين في رحلاتهم بحثًا عن لقطات خلابة.
تشاركنا نينا ماي، المصورة الفوتوغرافية من منطقة دواي، أنها تستلهم دائماً من المناظر الطبيعية الخلابة للريف. فلنستمتع بلحظات جميلة وبسيطة لأشخاص تربطهم علاقة وثيقة بأنهار ومجاري المياه في وطنهم، كما التقطتها عدسة موقع Vietnam.vn.
منذ أن بدأ الإنسان باستخدام الحيوانات كغذاء، كانت الأنهار والمجاري المائية المصدر الأوفر والأقدم للغذاء. كانت الطيور والحيوانات وفيرة، لكن صيدها لم يكن سهلاً. استطاع الإنسان صيد الروبيان والأسماك وسرطان البحر وغيرها من المأكولات البحرية بسهولة، مما وفر مصدراً غنياً بالبروتين. لم تكن الأسماك والروبيان والكريل والعديد من الأنواع المائية الأخرى مصدراً غذائياً أساسياً للإنسان فحسب، بل كانت تُصنع منها أيضاً عجينة السمك المخمرة، لتصبح مكافأة للمسؤولين المتميزين في العصور الإقطاعية القديمة. لا يزال البروتين الموجود في المأكولات البحرية ذا قيمة في الحياة اليومية حتى اليوم، وفي المناطق الجبلية حيث تكثر لحوم الطيور والحيوانات البرية، يُعد البروتين المستخلص من عجينة السمك المخمرة والملح ضرورياً.
يمكن القول إن الماء كان "أم" البشرية منذ فجر التاريخ. وكان ظهور الأرز في الحقول بمثابة معجزة للشعب الفيتنامي، إذ وفّر لهم الغذاء على شكل نشا غني بالعناصر الغذائية وقابل للحفظ لفترات طويلة. ولولا الماء، لما وُجد الأرز ولا الحضارة القائمة عليه.
ليس من قبيل المصادفة أن بنى الناس منازلهم على ضفاف الأنهار. فالمثل القائل: "أولاً، قرب السوق؛ ثانياً، قرب النهر" يُثبت ذلك. سكن الناس على ضفاف الأنهار، وزرعوا الأرز، واعتمدوا في معيشتهم على صيد الأسماك. وسرعان ما تحولت ملتقى الأنهار والمناطق الساحلية إلى قرى نابضة بالحياة، لتصبح مراكز للسياسة والاقتصاد والثقافة. كانت هذه الأماكن مراكز للخير والرخاء، حيث كانت المعلومات الجديدة تتدفق من العاصمة إلى الريف، وكثيراً ما كانت الفتيات اللواتي يعشن على ضفاف الأنهار يلتقين بالخطاب من كل حدب وصوب، فتنشأ بينهن علاقات عاطفية.
في العصور القديمة، عرف الفيتناميون استخدام ثلاثة أنواع من القوارب. أصغرها كانت الزوارق المحفورة من جذوع الأشجار والقوارب المصنوعة من السلال. أما القوارب الأكبر حجماً، المصنوعة من الألواح الخشبية والمزودة بمجاديف في مؤخرتها، فكانت تُستخدم للنقل وتتميز بزخارفها الجميلة. وأكبرها كانت السفن الحربية، المجهزة بأسلحة كالفؤوس والرماح والحراب والخناجر والدروع والأقواس والسهام... للقتال. اعتمد البشر على الأنهار والمياه في الغذاء والمأوى والنقل والبقاء. كانت الأنهار والمياه بمثابة حماية لهم. ليس من الصعب فهم سبب عبادة الناس للإلهة الأم، التي هي الماء.
لآلاف السنين، عاش الشعب الفيتنامي القديم في ارتباط وثيق بالأنهار والمجاري المائية، مما شكّل ثقافة نهرية فريدة. وقد أثرت قصص الرعد والبرق والمطر، واستدعاء الغيوم والأمطار، في حياة الناس. آمن القدماء بوجود آلهة في العالم تُشرف على الماء والمطر، مما مكّنهم من زراعة المحاصيل والعيش. ونشأت أشكال من الطقوس والصلوات للآلهة طلبًا للحماية والنجاة من الكوارث، وتحولت تدريجيًا إلى عادات وتقاليد. ولا تزال العديد من العادات ذات الأهمية الاجتماعية، مثل مهرجانات الماء وسباقات القوارب، قائمة حتى اليوم. وقد جعل الملك لي داي هان سباق القوارب السنوي مهرجانًا وطنيًا رسميًا. أدرك الملك أن فيتنام أشبه بجبل موضوع على قارب يطفو على الماء، مما عزز التقاليد النهرية بين الشعب.
نشأت أشكال ثقافية وفنية عديدة من الأنهار والمجاري المائية: حكايات شعبية، وتقاليد شفهية، وأغانٍ شعبية، وأمثال مرتبطة بالأنهار والمجاري المائية، مثل القصة الأسطورية لسون تينه وثوي تينه اللذين تشاجرا بدافع الغيرة، مما تسبب في فيضانات سنوية؛ وقصة حب مأساوية بين ترونغ تشي ومي نونغ؛ وقصة حب تشو دونغ تو وتين دونغ الأسطورية على ضفاف النهر... ثم هناك الأغاني المميزة التي تُغنى أثناء الجلوس على حافة القارب، والتجديف، وإلقاء الشباك، والتي تظهر في المناطق النهرية والساحلية. يتمتع الشعب الفيتنامي بمهارة في الملاحة في الأنهار والمجاري المائية، وبراعة في استخدام القوارب، والصيد، والملاحة في القنوات، وفهم قوانين النهر. عندما تكون البلاد في حالة حرب، تساهم الأنهار والمجاري المائية في تحقيق انتصارات مجيدة إلى جانب الشعب. في ذلك الوقت، تعرف الأنهار والمجاري المائية الضغينة، وتتحول إلى زئير لقتل العدو.
في التاريخ الفيتنامي، برزت شخصياتٌ عديدةٌ اشتهرت بإسهاماتها في مجال الملاحة النهرية. يُعدّ ييت كيو، من سلالة تران، مثالًا بارزًا على ذلك. وُلد ييت كيو في فقرٍ مدقع، وعمل يوميًا على ضفاف النهر، يصطاد السرطانات والأسماك لكسب عيشه. تميّز بمهاراتٍ استثنائيةٍ في الغوص والسباحة، مما أكسبه ثقة واحترام الأمير تران كوك توان (هونغ داو فونغ). خلال مقاومة الغزاة المغول في القرن الثالث عشر، غاص ييت كيو في قاع النهر لإغراق سفن العدو، محققًا بذلك إنجازًا عظيمًا. كان قائدًا عسكريًا مرموقًا، وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وولاؤه كان ساطعًا كالنجوم. بعد وفاة ييت كيو، شيّد أهالي مسقط رأسه معبدًا على ضفة النهر في قرية ها بي، المعروفة أيضًا باسم قرية كوات، في مقاطعة جيا لوك، بمحافظة هاي دونغ . ويُعدّ مهرجان معبد كوات احتفالًا بهيجًا، حيث يتضمن عادةً سباقات قوارب للرجال والنساء، لعرض مهاراتهم، والتعبير عن حزنهم لذكرى ييت كيو - مؤسس رياضة الغوص والسباحة - وتمنياتهم له بالبركة.مجلة التراث







